أزمة “الفراطة” تهدد خطة سحب الليرة السورية القديمة

مع اقتراب الموعد المحدد من قبل مصرف سوريا المركزي لإنهاء التعامل بالليرة السورية القديمة واستبدالها بالإصدارات الجديدة، تتزايد التساؤلات حول قدرة الأسواق على الانتقال الكامل إلى العملة الجديدة، في ظل استمرار الاعتماد على الفئات النقدية القديمة، خصوصاً الصغيرة منها، في المعاملات اليومية.
ورغم بدء تداول الإصدارات الجديدة، ما تزال فئات نقدية أساسية مثل 10 و25 و50 و100 غير متوفرة بشكل واسع في الأسواق، بينما تتركز حركة التداول على فئتي 200 و500، ما يدفع أصحاب المتاجر وسائقي وسائل النقل والباعة إلى استخدام الأوراق النقدية القديمة لتأمين “الفراطة” اللازمة لإتمام عمليات البيع والشراء.
ويثير هذا الواقع مخاوف من حدوث فجوة بين القرار النقدي والواقع العملي، مع احتمال اللجوء إلى تمديد فترة الاستبدال أو مواجهة الأسواق صعوبات في السيولة النقدية قد تنعكس على التجارة والأسعار والحياة اليومية.
تحديات أمام تنفيذ القرار
تُعد عمليات استبدال العملات من أكثر الإجراءات حساسية في السياسة النقدية، إذ لا تقتصر على إصدار أوراق جديدة، بل تحتاج إلى إدارة دقيقة تشمل الطباعة والتوزيع وضمان توفر الفئات المختلفة بما يتناسب مع احتياجات السوق.
ويشير مختصون إلى أن نجاح أي عملية استبدال نقدي يتطلب وجود هيكل متكامل للفئات المالية، بحيث تغطي العملات الصغيرة والمتوسطة والكبيرة مختلف مستويات الإنفاق، وهو ما لا يزال يمثل تحدياً في الحالة السورية بسبب محدودية انتشار بعض الفئات الجديدة.
ويؤدي غياب الفئات الصغيرة إلى استمرار اعتماد المواطنين على العملة القديمة، خصوصاً في القطاعات التي تعتمد على التعاملات اليومية السريعة مثل النقل العام والمتاجر الصغيرة والأسواق الشعبية.
احتمالات تمديد المهلة
ويرى متابعون أن إنهاء التعامل بالعملة القديمة في الموعد المحدد قد يكون صعباً ما لم يتم توفير كميات كافية من الفئات الجديدة الصغيرة خلال الفترة المتبقية.
ويبرز خيار تمديد المهلة كأحد السيناريوهات المطروحة، بهدف منح المصرف المركزي وقتاً إضافياً لضخ النقد الجديد في الأسواق وتجنب حدوث اضطرابات في حركة البيع والشراء.
ويستند هذا الاحتمال إلى أن عمليات استبدال العملات في العديد من الدول تتم عادة على مراحل، تسمح بتداول العملتين خلال فترة انتقالية، قبل سحب العملة القديمة بشكل كامل.
معضلة “الفراطة”
تكمن المشكلة الأكبر التي تواجه الأسواق حالياً في نقص الفئات الصغيرة، وليس في توفر الأوراق النقدية الكبيرة فقط.
ويعتمد العديد من التجار وسائقي وسائل النقل على الفئات الصغيرة لإعادة المبالغ المتبقية للزبائن، ما يجعل غيابها عاملاً مؤثراً في تفاصيل الحياة اليومية.
وفي حال توقف التعامل بالعملة القديمة قبل تأمين بديل مناسب، قد يضطر بعض التجار إلى تقريب الأسعار إلى الأعلى، أو تعويض الفارق بسلع إضافية، ما قد يؤدي إلى زيادة الأعباء على أصحاب الدخل المحدود.
كما أن استمرار الحاجة إلى الفئات القديمة بعد انتهاء المهلة قد يفتح المجال أمام ظهور تداول غير رسمي لها، من خلال بيع أو تبديل هذه الفئات مقابل عمولات، ما يضعف فعالية قرار الاستبدال.
اختبار لإدارة السياسة النقدية
لا ترتبط عملية سحب الليرة القديمة بتوفير أوراق نقدية جديدة فقط، بل بقدرة المصرف المركزي على إدارة انتقال نقدي واسع دون إرباك الأسواق.
ويعتمد نجاح العملية على وصول الفئات الجديدة إلى المصارف ثم انتقالها تدريجياً إلى المواطنين والقطاعات التجارية، بما يضمن استمرار المعاملات اليومية بصورة طبيعية.
وفي ظل استمرار تداول الفئات القديمة ونقص بعض الإصدارات الجديدة، يبقى احتمال تعديل الجدول الزمني قائماً، خصوصاً إذا لم تتوافر المتطلبات العملية لإنهاء التعامل بالعملة السابقة.
وكان مصرف سوريا المركزي قد دعا المواطنين إلى الإسراع باستكمال إجراءات الاستبدال قبل انتهاء المهلة المحددة، مؤكداً استمرار استقبال الطلبات ضمن الفترة المقررة.
لكن التحدي الأساسي يبقى مرتبطاً بقدرة الأسواق على التكيف مع العملة الجديدة، وتوفير الفئات النقدية المطلوبة، بما يمنع حدوث اضطرابات في التعاملات اليومية بعد انتهاء فترة الاستبدال.




