فصل العسكريين يشعل أزمة في جنوب اليمن

أثارت توجيهات حكومية يمنية تقضي باستبعاد مئات العسكريين الجنوبيين من وظائفهم موجة واسعة من الجدل والانتقادات، وسط تحذيرات من تداعيات قد تؤدي إلى زيادة الاحتقان الشعبي وتصعيد التوترات السياسية المرتبطة بأزمة الشراكة بين مجلس القيادة الرئاسي والمجلس الانتقالي الجنوبي.
وأفادت تقارير محلية بصدور تعليمات بفصل مئات الضباط والجنود من لواء “بارشيد” العسكري، مع استبدالهم بعناصر آخرين، على خلفية مشاركتهم إلى جانب المجلس الانتقالي في أحداث شهدتها مناطق وادي وصحراء حضرموت والمهرة أواخر العام الماضي.
وتأسس لواء “بارشيد” في مارس/آذار 2016 بدعم من التحالف العربي، خلال مرحلة التحضير للعملية العسكرية التي انطلقت لاحقاً لتحرير مركز محافظة حضرموت من سيطرة تنظيم القاعدة.
وخلال اجتماع استثنائي للمكتب التنفيذي في حضرموت بحضور عدد من المسؤولين الحكوميين، أثير جدل واسع بشأن هوية منتسبي اللواء، بعد الإشارة إلى أن غالبية أفراده لم يكونوا من أبناء المحافظة، قبل التأكيد في الوقت نفسه على أن الجيش اليمني يجب أن يمثل مختلف مناطق البلاد وألا يقوم على أسس مناطقية.
وبحسب إفادات عسكريين في اللواء، تبيّن خلال الأيام الماضية أن عدداً كبيراً من المنتسبين الجنوبيين جرى استبدال أسمائهم في كشوفات الرواتب بأسماء أخرى، فيما تم الإبقاء على المنتسبين من أبناء حضرموت. وتشير التقديرات إلى أن عدد المستبعدين بلغ نحو 910 أفراد.
ويرى مراقبون أن هذه الإجراءات تعيد إلى الواجهة مخاوف مرتبطة بسياسات الإقصاء التي شهدها الجنوب في مراحل سابقة، محذرين من أن هذه الخطوة قد تضاعف من حالة الغضب المتصاعدة وتنعكس سلباً على الاستقرار السياسي والأمني في المنطقة.
انتقادات وتحذيرات من تداعيات سياسية
واعتبر خبراء ومحللون أن القرار يثير تساؤلات قانونية وإدارية، لكونه يتعارض مع القواعد المنظمة للمؤسسة العسكرية، كما قد يُفسَّر على أنه استبعاد على أسس مناطقية، الأمر الذي يهدد بزيادة الانقسامات في مرحلة تتطلب التهدئة.
وأشار محللون إلى أن ما يجري يأتي في سياق التحولات العسكرية والسياسية الأخيرة في حضرموت، خصوصاً بعد التطورات التي شهدها وادي المحافظة، وما رافقها من فتح ملفات تتعلق بإدارة الموارد والنفط.
ورأى بعض الخبراء أن الخطاب الرسمي المصاحب لهذه القرارات يكشف عن معايير مزدوجة في التعامل مع هوية المنتسبين للوحدات العسكرية، بما يوحي بأن المسألة تتجاوز إعادة تنظيم القوات إلى توظيف سياسي يرتبط بالصراع على النفوذ داخل المحافظة.
وفي السياق ذاته، حذر ناشطون سياسيون وحقوقيون من أن هذه الإجراءات قد تؤثر سلباً على النسيج الاجتماعي، وتؤدي إلى نتائج عكسية في ظل الحاجة إلى احتواء التوترات، مؤكدين أن الضباط والجنود ينفذون أوامر قياداتهم ولا ينبغي تحميلهم تبعات الخلافات السياسية.
مخاوف حقوقية واجتماعية
من جانبها، حذرت أوساط حقوقية من أن الفصل الجماعي وقطع الرواتب دون مسار قانوني واضح أو بدائل إدارية لا يمكن تبريره تحت أي عنوان أمني أو تنظيمي، معتبرة أن ذلك يخرج من إطار إعادة الهيكلة إلى دائرة التعسف الإداري.
وأكدت هذه الأوساط أن حرمان الجنود من مصدر دخلهم الرئيسي ينعكس بشكل مباشر على أسرهم، ويعمّق هشاشة الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية، كما يعزز الشعور بالتمييز ويغذي الانقسامات المحلية.
ودعا خبراء في الشأن العسكري إلى اعتماد حلول مهنية قائمة على إعادة دمج الأفراد في وحدات أخرى أو نقلهم وفق احتياجات مدروسة، مع ضمان حقوقهم المالية والإدارية، بما يحافظ على كرامتهم ويمنع تحول القضية إلى أزمة أوسع.
وشدد مراقبون على أن استقرار أوضاع العسكريين واحترام حقوقهم لا يمثل فقط التزاماً إنسانياً، بل يعد أيضاً ضرورة أمنية، نظراً لأن الشعور بالظلم قد يتحول على المدى البعيد إلى أحد أخطر عوامل تهديد الاستقرار في جنوب اليمن.




