تقاريرنبض الساعةنبض خاصهيدلاينز

ماذا تعني الأمطار الأخيرة لمستقبل المياه في سوريا؟

خاص – نبض الشام

أعاد الموسم المطري الحالي في سوريا خلط أوراق المشهد المائي بعد سنوات من القلق المتصاعد حيال الجفاف. فالهطولات اللافتة في بعض المناطق أوحت بإمكانية حدوث تحوّل إيجابي، إلا أن قراءة الأرقام والمؤشرات تكشف أن المسألة أعقد من مجرد وفرة مؤقتة. فالتباين الحاد في توزع الأمطار، وارتفاع معدلات التبخر، واستنزاف الموارد الجوفية، تفرض سؤالاً جوهرياً، هل تجاوزت سوريا فعلاً مرحلة الخوف من الجفاف، أم أنها أمام فرصة مشروطة بحسن الإدارة؟

وفرة غير متجانسة
تشير البيانات المناخية إلى أن الأمطار الأخيرة لم تكن متوازنة جغرافياً ولا زمنياً. فقد تركزت الهطولات في فترات قصيرة ومناطق محددة، بينما بقيت مساحات واسعة دون المعدلات المطلوبة لتعويض العجز المتراكم. هذا النمط، المرتبط بتغير المناخ، يحدّ من قدرة الهطولات على إعادة شحن المياه الجوفية بشكل فعّال، ويحوّل جزءاً كبيراً من المياه إلى جريان سطحي سريع، لا يُستثمر بالشكل الأمثل.

التخزين المائي
تُظهر مؤشرات الموارد المائية أن التخازين السطحية لا تزال دون المستويات الآمنة في معظم الأحواض، باستثناء بعض المناطق الساحلية وحوض الفرات. في المقابل، تعاني المياه الجوفية من استنزاف طويل الأمد، ما يجعل أي تحسّن موسمي غير كافٍ لإعلان التعافي. فالأمن المائي لا يُقاس بحجم المطر الهاطل، بل بقدرة البنية المائية على احتجازه وإدارته بكفاءة.

الزراعة في قلب المعادلة
يبقى القطاع الزراعي المستهلك الأكبر للمياه، وهو الأكثر تأثراً بتقلبات المناخ. ومع محدودية الموارد، تبرز الحاجة إلى إعادة توجيه الأنماط الزراعية نحو محاصيل أقل طلباً للمياه، وتوسيع الاعتماد على الري الحديث، الذي يرفع كفاءة الاستخدام ويخفض الفاقد. كما يشكل حصاد مياه الأمطار وإعادة استخدام المياه المعالجة ركيزتين أساسيتين لتخفيف الضغط على المصادر التقليدية.

من الوفرة إلى الاستدامة
إن تحوّل الغزارات المطرية إلى مورد مستدام يتطلب رؤية تتجاوز الاستجابة الموسمية. فتعزيز السدود الصغيرة، وحماية التربة من الانجراف، وإدارة الأحواض المائية كوحدات متكاملة، تمثل خطوات ضرورية لرفع العائد المائي الفعلي. دون ذلك، قد تتحول الغزارة إلى فيضانات وخسائر بيئية بدل أن تكون مدخلاً للتعافي.

فرصة نادرة
تُظهر المعطيات أن سوريا لم تتجاوز بعد مرحلة الخوف من الجفاف، لكنها تقف عند عتبة فرصة نادرة. فالموسم المطري الأخير لا يشكّل حلاً بحد ذاته، بل اختباراً لقدرة السياسات المائية على تحويل حدث مناخي متقلب إلى عنصر أمان طويل الأمد. وبين مناخ متطرف وموارد منهكة، يبقى الرهان الحقيقي على الإدارة الذكية للمياه، لا على سخاء السماء وحده.

“متابعة أسرة تحرير نبض الشام”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى