خارج الصندوقسياسيات متناقضة

قانون الذاكرة بين الجزائر وفرنسا: مفارقة السياسة والتاريخ

خاص – نبض الشام

تعود مسألة الذاكرة الاستعمارية إلى الواجهة بقوة في الجزائر، مع اقتراب البرلمان من مناقشة مقترح قانون يهدف إلى تجريم الاستعمار الفرنسي. هذه الخطوة لا تأتي في فراغ، بل في سياق سياسي ودبلوماسي مشحون، يعكس حجم التناقض الذي يطبع العلاقة بين الجزائر وفرنسا. فبين خطاب يدعو إلى طي صفحة الماضي، وممارسات تستحضر جراحه، تبدو العلاقة محكومة بازدواجية يصعب تجاوزها.

قانون الذاكرة
يمثل مقترح تجريم الاستعمار محاولة رسمية لإعادة الاعتبار لمرحلة تاريخية مثقلة بالانتهاكات. فالقانون يسعى إلى تثبيت رواية وطنية توثق جرائم القتل، التعذيب، والتجارب النووية، وتمنحها صفة قانونية لا تقبل التأويل. ورغم أن المبادرات السابقة لم تكلل بالنجاح، إلا أن الإجماع السياسي الحالي يعكس تحولاً في التعاطي مع ملف الذاكرة، باعتباره جزءاً من السيادة الرمزية للدولة.

بين الاعتراف والإنكار
في المقابل، تتعامل باريس مع هذا الملف بحذر شديد. فعلى الرغم من بعض الاعترافات الجزئية، تظل السياسة الفرنسية أسيرة مقاربة انتقائية، تعترف ببعض الوقائع دون تحمل تبعاتها القانونية أو الأخلاقية. هذا التردد يعمق فجوة الثقة، ويغذي الشعور الجزائري بأن خطاب المصالحة لا يتجاوز حدود التصريحات.

السياسة والاقتصاد
أبرز ما يكشف التناقض في العلاقة بين البلدين هو استمرار المصالح الاقتصادية رغم التوتر السياسي. فبينما تتبادل العاصمتان مواقف حادة وتصريحات متشنجة، تستمر المبادلات التجارية، وإن بوتيرة أقل. هذا الفصل بين السياسة والاقتصاد يعكس براغماتية واضحة، لكنه يطرح تساؤلات حول صدقية المواقف المعلنة من الطرفين.

زادت مواقف فرنسا من قضية الصحراء الغربية من تعقيد المشهد، إذ اعتبرتها الجزائر انحيازاً يمس جوهر سياستها الخارجية. كما ساهمت قضايا ثقافية وإعلامية في توسيع هوة الخلاف، ما جعل العلاقة تراوح مكانها بين التصعيد والتهدئة المؤقتة.

خطاب مزدوج
تكشف مناقشة قانون تجريم الاستعمار حجم التناقض الذي يطبع العلاقة الجزائرية الفرنسية: ماضٍ لم يُحسم، وحاضر تحكمه المصالح، ومستقبل معلّق على قدرة الطرفين على المصارحة. فبدون معالجة جادة لملف الذاكرة، ستظل العلاقة أسيرة ازدواجية الخطاب، حيث يتعايش التعاون مع الشك، والحوار مع الجراح المفتوحة.

“متابعة أسرة تحرير نبض الشام”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى