خارج الصندوقسياسيات متناقضةنبض الساعةهيدلاينز

صرخة ميلانو: صوت الشارع الأوروبي في مواجهة التناقض

خاص – نبض الشام

لطالما شكّل الموقف الأوروبي من القضية الفلسطينية ساحة للتناقضات الصارخة، إذ يظهر التباين بين الخطاب الإنساني الرسمي والدعوات المستمرة لحقوق الإنسان من جهة، والسياسات العملية المنحازة لإسرائيل من جهة أخرى. ومع استمرار الحرب الإسرائيلية على غزة، تتكشف هذه المفارقات بشكل أوضح، إذ تعكس الاحتجاجات الشعبية في الشارع الأوروبي، ولا سيما في إيطاليا، مدى الفجوة بين الإرادة الشعبية والسياسات الحكومية.

صوت الشارع
شهدت عدة مدن إيطالية هذا الأسبوع إضراباً واسعاً شلّ قطاعات حيوية كالموانئ ووسائل النقل والمدارس، استجابة لدعوات النقابات الشعبية الرافضة لموقف الحكومة من الحرب على غزة. ففي جنوة وليفورنو توقفت حركة الموانئ الرئيسية، بينما واجه سكان روما وبولونيا اضطرابات كبيرة في النقل العام. هذه التحركات لم تكن مجرد مطالب نقابية، بل رسالة واضحة تعبّر عن رفض الشارع الإيطالي لسياسات رئيسة الوزراء جورجيا ميلوني المتماهية مع إسرائيل.

الاحتجاج.. والمواجهة
تحولت بعض التظاهرات في ميلانو إلى مواجهات عنيفة مع الشرطة، إذ حاول محتجون اقتحام المحطة المركزية للقطارات، ما دفع قوات الأمن لاستخدام الغاز ورذاذ الفلفل. وفي بولونيا، تدخلت الشرطة بمدافع المياه لتفريق المتظاهرين. ورغم أن النقابات والمنظمات الطلابية أكدت سلمية تحركاتها، إلا أن مشاهد العنف كشفت عن عمق الاحتقان تجاه “خمول” الحكومة الإيطالية والاتحاد الأوروبي إزاء المأساة الإنسانية في غزة.

الموقف الرسمي
رغم تصاعد الضغوط الشعبية، لم تجرؤ الحكومة الإيطالية على اتخاذ خطوات ملموسة كالاعتراف الرسمي بالدولة الفلسطينية، على عكس بعض الدول الأوروبية الأخرى. بل إن وزير الخارجية أنطونيو تاجاني شدد على أن “العنف لا يخدم الفلسطينيين”، في محاولة لتوجيه الأنظار بعيدًا عن فحوى الاحتجاجات. هذا الموقف يفضح معضلة السياسة الأوروبية: خطاب يروّج لحقوق الإنسان، وممارسة عملية تخضع لاعتبارات التحالفات الدولية والمصالح الاقتصادية.

أوروبا بين الشعارات والمصالح
يبرز التناقض الأوروبي بوضوح في الحالة الإيطالية؛ فمن جهة تدعو مؤسسات الاتحاد الأوروبي إلى وقف العنف وحماية المدنيين، ومن جهة أخرى تواصل العديد من الدول دعمها غير المشروط لإسرائيل عسكريًا وسياسيًا. هذا التناقض يثير تساؤلات حول مصداقية القيم الأوروبية، ويجعل القضية الفلسطينية معيارًا حقيقيًا لاختبار التزام أوروبا بمبادئها المعلنة.

فجوة!
تكشف الاحتجاجات في إيطاليا عن عمق الفجوة بين الموقف الشعبي المتضامن مع فلسطين والسياسات الحكومية المترددة أو المنحازة. وهو تناقض لا يقتصر على إيطاليا وحدها، بل يعكس مأزقًا أوروبيًا أوسع: كيف يمكن التوفيق بين خطاب القيم الإنسانية وبين المصالح الجيوسياسية؟ إن استمرار هذا الازدواج في التعاطي مع فلسطين لن يضعف فقط ثقة الشعوب الأوروبية بحكوماتها، بل سيؤثر أيضًا على صورة أوروبا كمدافع عن حقوق الإنسان على المستوى العالمي.

“متابعة أسرة تحرير نض الشام”

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى