خمس سنوات وجرح بيروت مفتوح: هل اقتربت لحظة الحقيقة؟
خاص – نبض الشام
في الرابع من أغسطس 2020، دوّى انفجار هائل في مرفأ بيروت، هزّ العاصمة اللبنانية ومحيطها، وأسفر عن مقتل أكثر من 218 شخصاً، وإصابة ما يزيد عن 6 آلاف آخرين، فضلًا عن دمار مروّع خلّف آثاراً نفسية ومادية لا تزال حاضرة حتى اليوم. والسبب حسب خبراء، 2,750 طناً من نترات الأمونيوم كانت مخزنة لسنوات بطريقة غير آمنة وسط تجاهل وتحذيرات متكررة.
مرّت خمسة أعوام، ولا تزال العدالة بعيدة، والحقيقة ضائعة بين جدران السياسة وتراكمات النظام القضائي المعطّل.
مسار التحقيق
انطلقت التحقيقات القضائية فور وقوع الكارثة، لكن مسارها اصطدم سريعاً بالتدخلات السياسية والضغوط من قِبل بعض القوى النافذة. بدأ التحقيق بإشراف القاضي فادي صوان الذي حاول السير في الملف بشفافية، إلا أنه أُقصي عام 2021 بذريعة “الارتياب المشروع”. لاحقًا، عُيّن القاضي طارق بيطار، ليحاول استئناف التحقيق وسط ظروف أكثر تعقيدا. ومع مطلع عام 2025، وبعد فترة من الجمود، عاد بيطار إلى الواجهة في ظل تغيّرات سياسية وقانونية أفسحت المجال لمتابعة الملف من جديد.
تقرير يقترب من النور
شهد العام الجاري خطوات أكثر جرأة في التحقيق. فقد استُجوب عدد من المسؤولين الأمنيين والسياسيين الكبار، بمن فيهم رؤساء أجهزة ومديرين عامين وشخصيات كانت في موقع القرار وقت الانفجار. وتشير المعلومات إلى أن القاضي بيطار يعمل على إعداد تقرير مفصّل يتجاوز 1200 صفحة، يُتوقع أن يُقدَّم خلال الأشهر القليلة القادمة، وقد يتضمّن توجيه اتهامات مباشرة بحق شخصيات بارزة يُشتبه في مسؤوليتها عن الإهمال أو التستر.
الالتفاف على العدالة
رغم المؤشرات الإيجابية، لا تزال التحديات قائمة. فلطالما واجه التحقيق عوائق متعمدة، منها اتهامات بانحياز المحقق العدلي، وامتناع كبار المسؤولين عن المثول أمام القضاء، مستندين إلى حصاناتهم الدستورية والسياسية. ومع ذلك، شكّلت خطوة البرلمان اللبناني الأخيرة في إقرار قانون استقلالية القضاء تطوراً محورياً، أعاد الأمل بإمكانية فرض المحاسبة دون استثناءات أو تمييز.
صوت الضحايا لا يسكت
خمس سنوات لم تكن كافية لتبديد الحزن أو ترميم الثقة. أهالي الضحايا والناجون لا يزالون يطالبون بعدالة واضحة، غير منقوصة، تضمن المحاسبة الشفافة لكل من ثبت تقصيره أو تورطه. بين الوقفات الرمزية، والمطالبات المستمرة، وحتى الدعم الدولي المعنوي، لا تزال أصوات هؤلاء تصدح لتذكّر الجميع بأن الانفجار لم يكن حادثاً عرضياً بل جريمة ينبغي أن يُعرف فاعلوها.
الحقيقة ليست بعيدة
بين مسارات قضائية متعثرة وتحرّكات جديدة بدأت تُشعل بارقة أمل، يبقى السؤال معلقاً: هل اقتربت لحظة الحقيقة؟ ربما لم تعد بعيدة، لكن الوصول إليها يحتاج أكثر من مجرد تحقيق رسمي؛ يحتاج إلى استقلال قضائي حقيقي، وضغط شعبي لا يهدأ، وضمير سياسي يُقدّم المحاسبة على الحصانة. ما جرى في مرفأ بيروت لا يجب أن يُنسى، بل أن يكون محطة فاصلة في مسار بناء دولة تحترم أرواح مواطنيها، وتضمن لهم حقهم في العدالة.
“متابعة أسرة تحرير نبض الشام”




