خارج الصندوقخفايا وكواليس

سوريا على مفترق: تهدئة بالسياسة أم انفجار قادم؟

خاص – نبض الشام

وسط اضطرابات متزايدة في الجنوب السوري وتوترات أمنية على أكثر من جبهة، تطرح دمشق خطة جديدة تهدف إلى احتواء الانقسام الداخلي عبر انتخابات برلمانية مؤقتة وتفاهمات سياسية مرنة. وبينما تُفتح قنوات غير معلنة مع تل أبيب، تتحرك دمشق داخلياً لضبط المشهد الأمني، متجنبة الفيدرالية ومراهِنة على برلمان انتقالي كأداة لامتصاص الاحتقان. فهل تنجح هذه الخطة في إعادة إنتاج الدولة دون انفجار جديد؟

بين التحول السياسي والانقسام الداخلي
مع تولي الرئيس السوري أحمد الشرع مهامه، تمضي البلاد بحذر نحو انتخابات برلمانية من المقرر إجراؤها بين 15 و20 سبتمبر المقبل، في ظل انقسامات حادة بشأن تمثيل الأقليات وشفافية الاقتراع.

تسعى الحكومة السورية من خلال النظام الانتخابي المؤقت إلى إعادة تشكيل مجلس الشعب بصيغة تشمل مختلف المكونات دون الوقوع في فخ المحاصصة، لكن هذه الخطوة تواجه تحديات أمنية وجغرافية، لا سيما في ظل سيطرة “قسد” على الشمال الشرقي، واستمرار النفوذ الإسرائيلي في بلدات من القنيطرة، واشتداد اضطرابات السويداء، بالتوازي مع نشاط داعش في البادية.

الانتخابات وسيلة للتهدئة لا الديمقراطية
تشير تحليلات خبراء سياسيين إلى أن الحكومة السورية تسعى لاستخدام البرلمان كوسيلة لامتصاص الاحتقان الداخلي لا بوصفه خطوة ديمقراطية مكتملة.

وتعمل دمشق على دعوة قوات سوريا الديمقراطية للمشاركة في الانتخابات كحل سياسي لعقدة شرق البلاد، في محاولة لتثبيت الشرعية عبر برلمان انتقالي يُنتخب عبر لجان محلية تمثل المناطق، ما يجعله أقرب إلى مجلس وساطة مجتمعية من سلطة تشريعية تقليدية.

مرونة مركزية بدل الفيدرالية
الرئيس السوري، بحسب محللين، لا يسعى لفرض فيدرالية أو تقاسم سلطات تقليدي، بل يعتمد على بناء مؤسسات تمثيلية مرنة تُشرك جميع المكونات دون منح امتيازات مطلقة لأي طرف. وتسعى الحكومة لاحتواء التوتر عبر هذه المؤسسات، متجنبةً العنف الذي أثبت فشله في السويداء والساحل، مع تعهد بتوزيع عادل للمقاعد وفق الكثافة السكانية.

تفاهمات غير معلنة مع تل أبيب؟
أعرب المبعوث الأمريكي إلى الشرق الأوسط ستيف ويتكوف عن تفاؤله بإمكانية التهدئة في سوريا، مشيراً إلى أن توسع الاتفاقات الإبراهيمية قد يشمل دمشق بشكل غير مباشر. و

وتفيد التحليلات بأن القيادة السورية قدمت ضمانات دولية بتخفيف التوتر في الجنوب، مما لاقى استجابة أمريكية وفرنسية، وحتى من أطراف مقربة من إدارة ترامب، في وقت تمارس فيه واشنطن ضغوطاً على إسرائيل لتجنب التصعيد في مناطق القنيطرة ودرعا والسويداء. كما تتواصل محادثات سورية-إسرائيلية (منها المعلن وغير المعلنة) تركز على تفعيل اتفاق فصل القوات لعام 1974 دون الخوض في ملفات أوسع.

“قسد” ومؤشرات التراجع
أبرز التطورات تمثّل في استعداد قوات سوريا الديمقراطية لتقديم تنازلات قد تشمل السماح بعودة مؤسسات الدولة إلى مناطق مثل الرقة ودير الزور والحسكة، تحت ضغط أمريكي مباشر. ويبدو أن مبعوث إدارة ترامب، المعروف بعلاقاته الجيدة مع أنقرة، يلعب دوراً في الدفع نحو سحب السلاح من الجماعات غير النظامية، ما يُضعف المبررات التركية للتدخل.

التحدي الأكبر: الاعتراف والشرعية
ورغم كل ما تقدم، يبقى التحدي الأهم هو مدى قبول هذه الانتخابات من قبل المكونات المحلية والمجتمع الدولي. فشخصيات دينية بارزة في السويداء، مثل الشيخ الهجري، ترفض تمثيلاً لا ينبثق من الإرادة الشعبية. وترى الحكومة أن هذا الرفض قد يتحول إلى فرصة، من خلال دعوة المكونات لترشيح ممثليها، مما يسحب الذريعة من دعاة المقاطعة.

البرلمان بديلاً للسلاح
تراهن دمشق اليوم على “جزرة البرلمان” بدل “عصا القوة”، في محاولة لسحب فتيل الانفجار الداخلي دون الدخول في صراع دموي أو فرض فيدرالية. فهل تنجح هذه الصيغة في إعادة سوريا إلى مسار الاستقرار؟ أم أن التعقيدات الداخلية والإقليمية ستفوق قدرة المؤسسات الوليدة على الاحتواء؟ الأيام القادمة وحدها ستكشف حجم واقعية هذا الرهان.

متابعة أسرة تحرير نبض الشام

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى