من باريس إلى السويداء: ماذا دار بين سوريا وإسرائيل؟
خاص – نبض الشام
في مقال سابق نشر يوم أمس على موقع “نبض الشام” بعنوان “سوريا وإسرائيل على طاولة واحدة: ما الهدف من اجتماع باريس؟”، كنا قد أشرنا إلى احتمالية عقد اجتماع مباشر بين سوريا وإسرائيل بوساطة أمريكية، وتوقعنا أن تؤدي التحركات الدبلوماسية الأخيرة إلى صيغة تفاهم أمني. اليوم، تؤكد الوقائع صحّة هذا التحليل، بعد أن عُقد بالفعل لقاء في باريس جمع الطرفين برعاية واشنطن.
فبعد أسابيع من التصعيد غير المسبوق في الجنوب السوري، خصوصاً في محافظة السويداء، شهدت العاصمة الفرنسية باريس اجتماعاً ثلاثياً جمع مسؤولين رفيعي المستوى من سوريا وإسرائيل، بوساطة أمريكية مباشرة. الاجتماع، الذي استمر أربع ساعات، مثّل تطوراً دبلوماسياً نادراً، وأفضى إلى اتفاق لوقف إطلاق النار تسرّبت بنوده عبر المرصد السوري لحقوق الإنسان.
خارطة جديدة للجنوب السوري
أبرز بنود الاتفاق تنص على تحويل ملف السويداء إلى إشراف أمريكي مباشر، مع انسحاب قوات العشائر والأمن العام من محيط القرى الدرزية، وتمكين الفصائل المحلية من تمشيط المنطقة. كما سيتم تشكيل مجالس محلية درزية لتوفير الخدمات، بالإضافة إلى تقييد دخول مؤسسات الحكومة السورية، باستثناء منظمات الأمم المتحدة.
أما على مستوى الجنوب الأوسع، فتتضمن البنود نزع السلاح من القنيطرة ودرعا، وإنشاء لجان أمنية محلية بشرط عدم امتلاك أسلحة ثقيلة. كما سيتم توثيق الانتهاكات عبر لجنة ترفع تقاريرها إلى الوسيط الأمريكي.
دبلوماسية أمريكية جريئة
أشرف على اللقاء المبعوث الأمريكي توم باراك، الذي نشر تصريحاً يؤكد نجاح الاجتماع في “خفض التصعيد وفتح قنوات حوار مباشرة”. يُعد هذا التطور أبرز اختراق في العلاقات بين دمشق وتل أبيب منذ أكثر من 25 عاماً، وهو ما دفع كثيرين للتساؤل: هل هي تسوية مؤقتة أم بوادر مسار طويل الأمد؟
من السرية إلى العلن: تمهيد لتطبيع؟
مصادر إسرائيلية كشفت أن اللقاء في باريس لم يكن الأول، بل سبقه لقاءات سرية في باكو، وأن الجيشين التركي والإسرائيلي شاركا في تسهيل التفاهمات عبر قنوات اتصال غير معلنة. وتشير هذه المعلومات إلى وجود تصور أوسع من مجرد وقف إطلاق النار، ربما نحو تهيئة الأرضية لتطبيع محتمل على مراحل، بدعم أمريكي وبدفع إسرائيلي محسوب.
غياب تصريح رسمي من دمشق
رغم أن الجانب السوري شارك بوضوح في الاجتماع عبر وزير الخارجية أسعد الشيباني، فإن الحكومة السورية لم تصدر حتى الآن أي بيان رسمي يؤكد أو ينفي الاتفاق، ما يعكس الحساسية السياسية العالية داخل دمشق تجاه أي انفتاح معلن على إسرائيل.
مرحلة جديدة
اجتماع باريس لم يكن لقاء بروتوكولياً عابراً، بل يمثل نقطة تحول حقيقية في إدارة الأزمة السورية، خصوصاً في الجنوب. ومع أن الاتفاق لا يرقى إلى مستوى معاهدة أو تطبيع، إلا أنه يؤسس لمرحلة جديدة من التنسيق تحت مظلة أمريكية. والأيام القادمة وحدها ستكشف: هل نحن أمام هدنة هشة أم بداية مسار دبلوماسي لا رجعة فيه؟
“متابعة أسرة تحرير نبض الشام”




