سوريا تنهض ولبنان يتهاوى: لماذا يكافئ العالم دمشق ويتجاهل بيروت؟
مقال لـ راغدة درغام

ترجمة – نبض الشام
بينما يُعاد تشكيل المشهد السوري بدعم إقليمي وغربي، يتخبط لبنان في دوّامة التردد والغموض، تحت وطأة هيمنة حزب الله وصمت أوروبي أمريكي مريب تجاه إيران. في الوقت الذي تُفتح فيه أبواب الاستثمار على مصراعيها لدمشق، يُترك لبنان رهينة الانهيار، دون خطة إنقاذ حقيقية. فهل يتعلّم قادة بيروت من التجربة السورية؟
نموذج جديد لسوريا
تسعى الولايات المتحدة وتركيا والسعودية ودول خليجية أخرى إلى تحويل سوريا إلى نموذج إقليمي، يقوم على التعايش مع إسرائيل، واحتواء الجماعات المتطرفة، وضمان مشاركة الأقليات ضمن إطار الدولة.
لكن لا تزال عقبة احتكار السلاح من قِبل الدولة قائمة، إذ تصرّ بعض الأقليات على الاحتفاظ بسلاحها حتى تتضح ملامح تعامل الحكومة الجديدة مع حقوقها وكبحها للتطرف. كما أن الفيدرالية واللامركزية ما زالتا محل رفض من الدولة.
ورغم المجازر التي وقعت في السويداء والساحل، فإن المراهنين على مشروع الرئيس أحمد الشرع يمضون قدماً.
تردد غربي تجاه لبنان
في المقابل، يظهر تردد واضح من جانب الدول الغربية (لا سيما “الثلاثي الأوروبي” (بريطانيا، فرنسا، ألمانيا) والولايات المتحدة) في التعامل مع مستقبل لبنان. فقد ترك الأوروبيون المبادرة للولايات المتحدة، ممثلة بسفيرها في تركيا والمبعوث الخاص للبنان وسوريا، توماس باراك، فيما تُختزل المحادثات الأوروبية مع إيران في الملف النووي، دون التطرّق إلى شبكة وكلائها في المنطقة، وعلى رأسهم حزب الله.
خضوع لإيران وخسائر للبنان
القبول بالشرط الإيراني بعدم مناقشة دور وكلائها الإقليميين يُعدّ خطأً استراتيجياً، إذ يسمح لطهران بمواصلة تقويض السيادة اللبنانية، واستخدام لبنان كورقة تفاوض. أوروبا لم تتحدَّ مطالبة إيران لحزب الله بعدم تسليم سلاحه للدولة، وهو ما يضاعف خطورة الوضع، خاصة مع التخبّط الأمريكي إزاء إيران ولبنان.
دور باراك المتأرجح
أثارت زيارات باراك الثلاث إلى لبنان جدلاً واسعاً، إذ تنقّل بين استخدام العصا وتفهّم “تعقيد” نزع سلاح حزب الله. ففي حين وصف الحزب تارةً بأنه “حزب سياسي”، وصفه تارةً أخرى بـ”منظمة إرهابية”. وبدلاً من دفع المسؤولين اللبنانيين نحو قرارات سيادية، بدا أكثر تأثراً بمناوراتهم الترضوية.
تناقضات أمريكية وتراجع في الهيبة
قد تكون التناقضات الأمريكية مقصودة كأداة لخلق صدمة، أو غير مقصودة نتيجة زلات باراك المتكررة. فعبارات مثل “الوضع معقّد للجميع” تُفرّغ التصريحات الأمريكية من معناها، وتضعف من جدية الضغط الأمريكي على لبنان. فهي لا تعكس توجيهات مباشرة من الرئيس ترامب لفرض احتكار الدولة للسلاح، بل أقرب لخطاب سياسي محلي عاجز عن ضمان رد فعل إسرائيل تجاه رفض حزب الله التخلي عن سلاحه.
لبنان يدفع الثمن… وإسرائيل تنتظر اللحظة
في ذات الوقت، لم يُصرّ ستيف ويتكوف، مبعوث ترامب لمفاوضات إيران، على وقف استخدام إيران لحزب الله كورقة تفاوضية. وكل ذلك يُنذر بكارثة عندما تقرر إسرائيل تدمير البنية التحتية اللبنانية رداً على تعزيز حزب الله لقدراته العسكرية، بما فيها الصواريخ الإيرانية. فإدارة ترامب لا ترغب في فتح جبهات متعددة، لكنها أيضاً لا تملك القدرة على لجم إسرائيل إذا رأت في حزب الله تهديداً أمنياً وجودياً.
في سوريا: واقعية جديدة برعاية استثمارية
أما في سوريا، فيطلب ترامب من إسرائيل التحلي بضبط النفس، بعدما فقدت إيران موطئ قدمها هناك. واشنطن تدرك استمرار وجود التطرف وبقاء “داعش”، لكنها تعتقد بإمكانية احتوائه عبر استيعاب بعض الفصائل وتجنّب الصراع المباشر. وبدورها، تحصل إسرائيل على منطقة عازلة وضمانات أمنية على حدودها مع سوريا.
دول الخليج تنفتح على دمشق
دول الخليج تحركت بسرعة لدعم إعادة إدماج سوريا عربياً، وأصبحت شريكاً أساسياً في دعم الشرع ومشروعه. وقد جسّد “منتدى الاستثمار السعودي السوري” هذا التحوّل، بتوقيع 47 اتفاقية ومذكرة تفاهم بقيمة 6.4 مليار دولار، شملت بناء مدينة طبية ومشاريع في الزراعة، والنقل، والطاقة، والبنية التحتية، والعقارات. هكذا، تسلك سوريا مساراً جديداً نحو واقعية سياسية تستند إلى الاستثمار كركيزة.
دعوة لبنانية لمغادرة العزلة
على قادة لبنان أن يستخلصوا العبرة من نظرائهم في دمشق، وأن يتخلوا عن غطرستهم إزاء المبادرات العربية الحريصة، التي يرفضونها بحجة عدم القدرة على كبح حزب الله. يجب عليهم أن يطالبوا الولايات المتحدة وأوروبا والعرب بالضغط على إيران وعدم الاكتفاء بضمانات أمنية من إسرائيل، لأن المسألتين مرتبطتان. كما ينبغي عليهم أن يتحملوا مسؤولياتهم السياسية، بدلاً من الاحتماء بذريعة حماية أمن البلاد.
هل تتجرأ الدول العربية على دعم لبنان؟
ربما على الدول العربية أن تدرس خيار المخاطرة المحسوبة في دعم لبنان، كما فعلت مع سوريا. فكل من البلدين يعاني من عدم الاستقرار: في لبنان، حزب الله وإسرائيل يعبثان بالمصير؛ وفي سوريا، لا تزال الأصولية المتطرفة مصدر قلق. فلتكن الشراكة الدولية التي أسهمت في إعادة ترتيب سوريا نموذجاً يُحتذى لإنقاذ لبنان من مصير مدمر. فلبنان أيضاً يستحق أن يُعاد بناؤه والاستثمار فيه، كي لا يكون فريسة لمن يخططون لدماره.




