السوريون في مصر على مفترق طرق بين العودة والبقاء!

في خطوة لافتة ومهمة، أعلنت السلطات المصرية عن إعفاء السوريين المقيمين في مصر من غرامات التأخير في تجديد الإقامة، وذلك خلال فترة مؤقتة مدتها 3 أشهر.
يأتي هذا القرار استجابة لمطالب متكررة من الجالية السورية، التي رأت أن الغرامات المتراكمة أصبحت حجر عثرة أمام رغبتهم في العودة إلى سوريا، خاصة مع استقرار الأوضاع نسبيا بعد سقوط نظام الأسد المخلوع.
وكانت الحكومة المصرية قد فرضت غرامات تأخير على المخالفين منذ عام 2017، وقيمتها 1500 جنيه عن الثلاثة أشهر الأولى (ما يعادل 30 دولارا أميركيا)، و500 جنيه على كل شهر لاحق، بالإضافة إلى رسوم “الكرت” السنوية التي تصل إلى 5000 جنيه تضاف لغرامات التأخير.
يعيش في مصر نحو مليون ونصف المليون سوري بحسب آخر احصائيات للحكومة المصرية، بينهم 150 ألف لاجئ مسجل في المفوضية العليا لشؤون اللاجئين.
منذ سنوات، شكلت الغرامات المفروضة على الإقامات المنتهية أحد أكبر التحديات أمام السوريين في مصر، خصوصا من لا يحملون إقامة “لاجئ” وإنما إقامة عبر جواز السفر السوري.
ومع مرور الوقت، بلغت قيمة الغرامات عند بعض الأسر آلاف الجنيهات، ما جعل فكرة العودة إلى سوريا، رغم الرغبة، فكرة صعبة التنفيذ.
لكن القرار المصري، الذي يمنح فرصة لمدة 3 أشهر لإعفاء المغادرين من تلك الغرامات، أعاد إلى الأذهان فكرة العودة، وحرك المياه الراكدة في صفوف من طالما تمنوا إنهاء رحلة اللجوء.
تفاوتت ردود الفعل داخل الجالية السورية، بين ترحيب مشوب بالأمل، وتحفظ يحمل القلق من العودة والبدء من الصفر.
يقول سامر محيي الدين (33 عاما) عامل سوري في أحد محال بيع العطور في القاهرة، منذ سقوط النظام وأنا أنتظر اللحظة التي أستطيع فيها الرجوع إلى بلدي، ولكن كانت الغرامات تعيق مشروع العودة وبلغت نحو 15 ألف جنيه، اليوم أستطيع أن أرتب أموري بهدوء.
سامر ليس وحده، فبحسب متابعات على مواقع التواصل الاجتماعي وأرض الواقع، فإن فئة كبيرة من العمال والشباب، والعائلات التي كانت تنتظر انتهاء الفصل الدراسي الثاني، بدؤوا فعليا ببيع ما يملكون استعدادا للرحيل، خصوصا بعد الأخبار المتداولة عن تحسن نسبي في الأوضاع الأمنية داخل سوريا.
يقول حسن تلو (46 عاما) سوري مقيم في القاهرة وأب لثلاث أطفال، بالكاد جمعت ثمن تذاكر السفر بعد أن بعت أثاث منزلي بسرعة بسبب قرار الإعفاء، الغرامات كانت تقف في طريقي وبلغت آلاف الجنيهات، سأعود إلى بلادي خلال أيام.
وبالتوازي مع القرار، تنظم رحلات بحرية منتظمة من ميناء نويبع إلى العقبة في الأردن، بالتعاون مع موانئ البحر الأحمر وشركة ” الاتحاد العربي” تم تنفيذ عدد كبير من الرحلات أسبوعيا لنقل آلاف السوريين.
في المقابل فإن قرار العودة لا يبدو سهلا للجميع، فالعائلات التي أنشأت أعمالا صغيرة أو استثمرت في مشاريع تجارية، أو أولئك الذين اندمج أولادهم في النظام التعليمي المصري، يتريثون أو يرفضون المغادرة كليا.
دعاء جاسم (44 عاما)، سورية وأم لثلاثة أطفال، تدير مشروعا منزليا في الجيزة، تقول من أين أبدأ في بلدي؟ المدارس، البيت، الحياة كلها صارت هنا في مصر، لا أملك منزل ولا عمل في سوريا وجميع أفراد عائلتي في الخارج.
ويؤكد بعض السوريين أن العودة في هذا التوقيت تعني خسارة كل ما بني خلال السنوات الماضية، من علاقات وعمل ومصدر دخل مستقر، كما يعبر آخرون عن خشيتهم من أن يكون التحسن الأمني مؤقتا، وأن تعود البلاد إلى نقطة الصفر في أي لحظة.
يظل السؤال المهم، ماذا ينتظر العائدون إلى سوريا؟ وهل ستحمل الأشهر المقبلة فعلا بداية جديدة؟
وفقا لبعض من قرروا العودة، فإن الأمل بتحسن تدريجي في الخدمات وفتح فرص العمل، ولو محدودة، كاف لتشجيعهم على البدء من جديد.
كما أن التكلفة المرتفعة للحياة في مصر في ظل التضخم، تجعل سوريا رغم صعوباتها أقل خيارا أقل تكلفة للبعض.
من ناحية أخرى، تحذر الباحثة الاجتماعية أيمان محمد، من ” اندفاعة عاطفية” قد تقود بعض العائدين إلى مواجهة صعوبات معقدة حال وصولهم، بدءا من فقدان السكن، ومرورا بعدم وجود فرص عمل حقيقية، وانتهاء بالخوف من التبعات الأمنية لبعض الفئات.
رغم أهمية القرار المصري، إلا أن كثيرا ينتقدون غياب خطة متكاملة من الجهات الدولية لتسهيل عودة آمنة وكريمة، فالمفوضية السامية لشؤون اللاجئين بحسب بعض السوريين، لا توفر دعما ماديا للعائدين، ويطلب من من يحمل بطاقة ” الكرت الأصفر” إغلاق ملف لجوئه قبل العودة، وهو ما يستغرق وقتا طويل وإجراءات معقدة.
يقول فايز خليفة (68 عاما) وهو لاجئ مسجل لدى المفوضية، لا أستطيع العودة فمنزلي مدمر، ولا يوجد لدي أي معيل، لا أريد أن أخسر وضع الحماية الذي أملكه وأندم لاحقا، أرجو فقط أن يكون هناك دعم لكبار السن ومن ليس لهم معيل كي يستطيعوا العودة.
القرار المصري، بكل أبعاده، أعاد رسم خريطة الخيارات أمام السوريين في مصر، وبين من يرى فيه فرصة للعودة إلى الوطن، ومن يراه مخاطرة غير محسوبة، تبقى الحقيقة أن التغييرات المتسارعة في الداخل السوري ومحيطه الإقليمي تفرض على الجميع إعادة تقييم وضعهم، وربما اتخاذ قرارات حاسمة في الأشهر المقبلة.




