أحداث السويداء تربك الموقف الأميركي: بين محاسبة حكومة دمشق ودعمها

خاص – نبض الشام
في سلسلة من التصريحات المتناقضة، عبّر المبعوث الأمريكي الخاص إلى سوريا، توماس باراك، عن قلق بلاده العميق من تفاقم الأزمة في الجنوب السوري، مجدداً دعمه للحكومة السورية رغم دعوته السابقة إلى محاسبتها. وبينما حمّل جميع الأطراف مسؤولية المجازر، انتقد التدخل الإسرائيلي بشدة، محذراً من خطر تفكك سوريا وانزلاقها إلى سيناريوهات كارثية.
تحذيرات ومخاوف أمريكية
أعرب باراك عن قلقه العميق إزاء تصاعد العنف في السويداء، داعياً الحكومة السورية إلى إعادة تقييم سياساتها وتبني نهج أكثر شمولاً. وفي تصريحات لوكالة “رويترز” (22 يوليو) حذر من فقدان الزخم الدولي في حال غياب التغيير السريع، قائلاً إن الرئيس السوري أحمد الشرع “يخاطر بفقدان الدعم الذي أوصله إلى الحكم”، مشيراً إلى ضرورة إعادة هيكلة الجيش والحصول على دعم أمني إقليمي.
اتهامات ونفي بشأن السويداء
نفى باراك صحة التقارير التي تفيد بتورط القوات السورية في انتهاكات ضد المدنيين الدروز، موضحاً أن بعض المهاجمين قد يكونون من عناصر تنظيم “الدولة الإسلامية” متنكرين بزي حكومي، مشدداً على صعوبة الوثوق بمقاطع الفيديو المنتشرة عبر الإنترنت. كما أكد أن القوات السورية لم تدخل مدينة السويداء بناء على اتفاق مع إسرائيل بعدم التوغل.
الضربات الإسرائيلية تعقّد المشهد
انتقد المبعوث الأمريكي بشدة الضربات الإسرائيلية التي استهدفت مواقع حكومية في دمشق والسويداء، معتبراً أنها زادت من “الارتباك” و”جاءت في وقت سيئ للغاية”.
وقال إن واشنطن لم تطلب من تل أبيب تنفيذ هذه الضربات، مشيراً إلى أن إسرائيل تفضّل رؤية سوريا مجزأة بدلاً من موحدة، وأنها تتحاور مع دمشق حول ملفات أمنية وسط محاولات أمريكية لدفع الطرفين نحو التطبيع.
الموقف الإسرائيلي
في المقابل، برّر وزير الدفاع الإسرائيلي، يسرائيل كاتس، هذه الهجمات بأنها كانت الوسيلة الوحيدة “لوقف مذبحة الدروز”، مضيفاً أن “من ينتقدون الهجمات لا يعرفون الحقائق”، في حين قال وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو (20 يوليو) إن على دمشق إنهاء الفوضى جنوب البلاد، إذا أرادت الحفاظ على فرصة لسوريا موحدة خالية من سيطرة إيران وتنظيم “الدولة الإسلامية”.
حصيلة مأساوية
ووفقاً لتقرير “الشبكة السورية لحقوق الإنسان”، قُتل ما لا يقل عن 558 شخصاً، وأصيب أكثر من 783 آخرين بجروح متفاوتة، في محافظة السويداء بين 13 و21 يوليو الحالي، نتيجة المواجهات العنيفة بين القوات الحكومية ومسلحين من العشائر وفصائل درزية موالية للشيخ حكمت الهجري، تخللتها عمليات خطف متبادل وتصعيد عسكري أدى إلى تدخلات خارجية زادت المشهد تعقيداً.
الدعم المشروط للحكومة السورية
رغم الانتقادات، عاد باراك ليؤكد دعمه للحكومة السورية، واصفاً أداءها بأنه “الأفضل الممكن” في ظل محدودية الموارد، معتبراً أن محاولاتها لجمع مجتمع متنوع “مشروعة”، لكنه شدد في تصريحاته لوكالة “أسوشيتد برس” (21 يوليو) على ضرورة تحمّلها مسؤولية الانتهاكات.
تناقض في التصريحات
هذه التصريحات تتناقض مع ما قاله باراك سابقاً خلال مؤتمر صحفي، حين طالب بمحاسبة الحكومة، واصفاً ما جرى للأقليات والعشائر بـ”غير القابل للتصديق”، داعياً إلى إيجاد حلول عاجلة وحقيقية تضمن العدالة والاستقرار.
نصيحة للقيادة السورية
شدد باراك على ضرورة أن يتبنى الشرع نهجاً أكثر انفتاحاً، وإلا فإنه “قد يفقد الزخم من حوله”. ودعا إلى تسريع دمج الأقليات في بنية الدولة، محذراً من سيناريوهات مشابهة لليبيا أو أفغانستان إذا لم يتم ضبط الأوضاع. كما اعتبر أن “الارتباك” في سوريا قد يتفاقم ما لم تبادر إسرائيل إلى الحوار، مؤكداً استعداد الولايات المتحدة للعب دور الوسيط في هذا المسار.
رسائل باراك الختامية
قال براك إن حكومة الشرع لا تعتبر إسرائيل عدواً، ويمكنها المضي نحو تطبيع العلاقات معها. وختم بتأكيد أن الولايات المتحدة لا تملي شكل الحكم في سوريا، بل تسعى فقط إلى “الاستقرار والوحدة والعدالة والشمول”، وأن الحل النهائي يقرره السوريون أنفسهم.
تُظهر مواقف المبعوث الأمريكي توماس باراك تعقيد السياسة الأمريكية تجاه سوريا، إذ تجمع بين دعم مشروط للحكومة الجديدة، وانتقادات حادة لانتهاكات حقوق الإنسان والتدخلات الخارجية. وبينما تتفاقم الأزمة في الجنوب، تبقى رسائل باراك محاولة دبلوماسية لتجنب انهيار الاستقرار الهش في سوريا، وتحقيق توازن بين الأمن الإقليمي ومتطلبات العدالة والمصالحة الوطنية.
“متابعة أسرة تحرير نبض الشام”




