خارج الصندوقسياسيات متناقضةنبض الساعةهيدلاينز

من الميدان إلى واشنطن: الشرع يعيد رسم ملامح سوريا الجديدة

خاص – نبض الشام

صعود استثنائي من الجهاد إلى الرئاسة
يشكّل لقاء الرئيس السوري أحمد الشرع بالرئيس الأمريكي دونالد ترامب في البيت الأبيض تتويجاً لمسيرة غير عادية لرجل انتقل من صفوف تنظيم القاعدة إلى قصر الرئاسة السورية. من مقاتل في العراق وسجين لدى الأمريكيين، إلى زعيم دولة يحظى بدعم دولي متزايد، يجسّد الشرع تحوّلاً دراماتيكياً يعيد صياغة موقع سوريا على خريطة السياسة الإقليمية والدولية.

من الجهاد إلى القيادة
ولد أحمد الشرع في السعودية، ونشأ في بيئة قومية متأثرة بالقضية الفلسطينية والانتفاضة الثانية. التحق بتنظيم القاعدة في العراق عام 2003، وأُسر لسنوات في سجن أمريكي قبل أن يعود إلى سوريا خلال الصراع المسلح ضد نظام بشار الأسد. عرف باسمه الحركي “أبو محمد الجولاني” حين قاد جبهة النصرة، الذراع الرسمية للقاعدة في سوريا، قبل أن يعلن انفصاله عن التنظيم عام 2016 ويقدّم نفسه جزءاً من المعارضة السورية الوطنية.

من الثورة إلى الحكم
في ديسمبر 2024، دخل الشرع دمشق بصفته الحاكم الفعلي لسوريا، متعهداً بإقامة نظام شامل وعادل. وعد بإعادة توحيد البلاد، وإنعاش الاقتصاد المثقل بالعقوبات، ووضع السلاح تحت سلطة الدولة. حظيت حكومته بدعم من تركيا والسعودية وقطر، ثم نال مباركة غير متوقعة من ترامب خلال لقائهما في الرياض، حيث وصفه الرئيس الأمريكي بأنه “قائد حقيقي” يتمتع “بفرصة حقيقية للسيطرة على الأمور”.

البيت الأبيض يفتح أبوابه
زيارة الشرع إلى واشنطن تُعدّ أول زيارة لرئيس سوري إلى البيت الأبيض منذ استقلال البلاد عام 1946، والثانية له إلى الولايات المتحدة بعد خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر. وقبيل الزيارة، أزالت واشنطن اسمه من قائمة “الإرهابيين العالميين”، في خطوة رمزية تعبّر عن إعادة تأهيل سياسي غير مسبوقة لرجل كان يوماً من أبرز المطلوبين أمنياً.

تحديات الداخل السوري
رغم الانفتاح الدولي، يواجه الشرع تحديات داخلية كبرى؛ أبرزها تصاعد أعمال العنف الطائفية في مناطق عدة. إذ شهدت البلاد موجتين من المواجهات بين مقاتلين سنة وعلويين، وأخرى بين القوات الحكومية ومجموعات درزية، ما وضع وعود الشرع بحماية الأقليات أمام اختبار حقيقي. كما أبقت القوات الكردية على أسلحتها سعياً للحفاظ على حكمها الذاتي، وسط مخاوف من نزعة مركزية في الدستور المؤقت الذي ركّز السلطة بيد الرئيس.

علاقات متوترة مع إسرائيل
أبدت إسرائيل تشككها في نوايا الشرع بسبب ماضيه الجهادي، وأعلنت مناطق حظر للقوات السورية في الجنوب، بل استهدفت الأراضي السورية مرّتين بالقرب من القصر الرئاسي بذريعة حماية الدروز. وفي المقابل، دعا الشرع إلى علاقات متوازنة “لا تقوم على الاستقطاب”، مؤكداً أن بلاده لا تريد أن تكون “ساحة صراع بين الشرق والغرب”.

بين الشريعة والدولة المدنية
تجنّب الشرع الإجابة المباشرة عن موقفه من تطبيق الشريعة الإسلامية، مكتفياً بالقول إن “الأمر يُترك للخبراء”. وأبقى الدستور الانتقالي على الفقه الإسلامي مصدراً أساسياً للتشريع. ووعد الشرع، الذي يستند إلى “الشرعية الثورية”، بإجراء انتخابات خلال خمس سنوات، معتبراً أن هزيمة الأسد كانت “نصراً من الله”.

من “إرهابي” إلى “شريك محتمل”
رغم إدراجه على قوائم الإرهاب في 2013، أعاد الشرع بناء صورته تدريجياً عبر تصريحات تصالحية. في مقابلاته الأخيرة، أكد رفضه لقتل الأبرياء، واعتبر أن تصنيفه كإرهابي “كان ظلماً”. أما عن رأيه في هجمات 11 سبتمبر، فقال إن الشعوب العربية “شعرت آنذاك بالظلم الأمريكي”، لكنها “ندمت على مقتل الأبرياء بالتأكيد”.

سوريا بين ماضٍ مضطرب ومستقبل غامض
رحلة أحمد الشرع من الجهاد إلى الرئاسة تمثل واحدة من أكثر التحولات إثارة في تاريخ المنطقة الحديث. وبين ماضٍ مثقل بالقتال ومُستقبل تسعى فيه سوريا إلى استعادة موقعها الدولي، يبقى السؤال: هل يتمكن الشرع من تثبيت شرعيته السياسية داخلياً كما فعل خارجياً، أم أن إرث الماضي سيظل يطارده في كل خطوة؟.

“متابعة أسرة تحرير نبض الشام”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى