
خاص – نبض الشام
أكد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان أن بلاده لن تسمح بفرض أمر واقع في المنطقة، وأنها لن تقبل بأي محاولة لتهديد استقرار سوريا، مضيفاً: “لن نسمح بفرض أمر واقع في منطقتنا ولا بأي مبادرة تهدد أو تعرض الاستقرار الدائم في سوريا والمنطقة للخطر”.
وشدد أردوغان: “سنرد بطرق مختلفة على أي محاولة لجر جارتنا سوريا إلى مستنقع جديد من عدم الاستقرار”، متابعًا: “وحدة أراضي سوريا أمر لا غنى عنه بالنسبة لنا، ونعلم أن الحكومة السورية تتصرف أيضا بنفس المنطلق”.
وأشار الرئيس التركي إلى أن الغارات الإسرائيلية على سوريا محاولة لتقويض المناخ الإيجابي الذي بدأ مع الإدارة الجديدة في دمشق، مضيفا أن “إسرائيل تريد نقل النار التي أشعلتها في فلسطين ولبنان إلى سوريا”، لافتاً إلى أن “سلطات سوريا لن تقبل أي سلطة أو كيان مسلح ولدينا النهج ذاته فيما يتعلق بضمان أمن حدود تركيا”.
الجيش الإسرائيلي يحذر
وفي السياق نفسه، توعد رئيس أركان الجيش الإسرائيلي إيال زامير بضرب مواقع للسلطات السورية في حال استمر استهداف الدروز، على حد قوله.
وذكر متحدث باسم الجيش الإسرائيلي، في بيان، بأن زامير، وجّه الوحدات القتالية بالاستعداد لشن هجوم ضد أهداف تابعة للنظام السوري “في حال عدم توقف أعمال العنف ضد الدروز في أشرفية صحنايا بسوريا”.
وكان وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس قد أكد ،في وقت سابق، أن “الجيش الإسرائيلي نفذ عملية تحذيرية استهدفت مجموعة متطرفة كانت بصدد مواصلة مهاجمة السكان الدروز في بلدة أشرفية صحنايا في ريف العاصمة السورية دمشق”.
ونقلت وسائل إعلام عن بيان مشترك لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، ووزير الدفاع كاتس، قولهما إن “الجيش نفذ عملية تحذيرية وهاجم مجموعة متطرفة كانت تستعد لمهاجمة الدروز بصحنايا في سوريا”.
وأكد وزير الدفاع الإسرائيلي أن “العملية نُفذت بتوجيه من رئيس الوزراء نتنياهو، وبالتنسيق مع رئيس الأركان الفريق أول إيال زامير”، موضحاً أن “الهدف كان تعطيل خطة المتطرفين لمهاجمة الدروز في بلدة أشرفية صحنايا”، مضيفاً أن “إسرائيل أرسلت رسالة واضحة إلى النظام السوري، تحمله فيها مسؤولية حماية الدروز ومنع تعرضهم للأذى”، حسب زعمه.
وأضاف كاتس: “نحن نكرّم اليوم إسهامات الطائفة الدرزية العظيمة في أمن إسرائيل، ونخلّد ذكرى شهدائها الذين ضحوا بأرواحهم دفاعاً عن الدولة، وهذا يزيد من التزامنا بحماية الدروز في إسرائيل وإخوانهم في سوريا”، على حد قوله.
واختتم الوزير الإسرائيلي تصريحه بالتأكيد أن “إسرائيل لن تتهاون في الدفاع عن الطائفة الدرزية في سوريا، انطلاقا من الروابط العائلية والتاريخية التي تجمع بين الدروز في إسرائيل ونظرائهم في سوريا”.
وكان التدخل التركي المتزايد في سوريا قد بلغ مؤخرًا نقطة توتر مع إسرائيل، بعد ضربات جوية إسرائيلية في أوائل أبريل استهدفت ثلاث قواعد جوية سورية كانت تركيا تسعى لاستخدامها، بحسب تقارير، وأثار الحادث تصريحات رسمية نادرة من أنقرة بشأن عملياتها في سوريا، إذ قال وزير الخارجية التركي هاكان فيدان بعد الغارات إن “تركيا لا تسعى لمحاربة أي دولة على الأراضي السورية”.
وبعد أسبوع من هذا ،التصريح التصالحي، كشف فيدان أن تركيا وإسرائيل تجريان محادثات على المستوى الفني لتفادي “الاشتباكات العسكرية” في سوريا، مع سعي القيادة الجديدة إلى ترسيخ نفسها بعد سقوط بشار الأسد.
الكفة راجحة لـ تركيا
وعلى الرغم من القلق المتزايد في إسرائيل من ترسخ تركيا في سوريا، يبدو أن أمام القدس خيارات محدودة لمواجهته.
وقالت غاليا ليندِنشتراوس، باحثة بارزة في “معهد دراسات الأمن القومي” (INSS): “في نهاية المطاف، عندما يتعلق الأمر بسوريا، تهتم تركيا بها أكثر من إسرائيل، وتستثمر تبعًا لذلك. اهتمام إسرائيل بسوريا أمني بحت، وهذا يمنح أنقرة الأفضلية”.
وأضافت ليندِنشتراوس أن دعم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للزعيم التركي رجب طيب أردوغان يقيّد أيضًا قدرة إسرائيل على المناورة.
وقالت الباحثة الإسرائيلية: “الرئيس ترامب أوضح خلال لقائه الأخير مع (رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين) نتنياهو في واشنطن أنه مستعد لمساعدة إسرائيل في التعامل مع تركيا، ولكن على إسرائيل أن تُظهر ‘مطالب معقولة”، مضيفةً : “إنه يدفع إسرائيل لتبني نهج الحد الأدنى في سوريا. ولتحديد أولوياتها، سيتعين على إسرائيل التمسك فقط بخطوطها الحمراء الأكثر أهمية، مثل منع نقل الأسلحة الإيرانية إلى حزب الله عبر جنوب سوريا”.
دعم تركي لـ المتمردين
العلاقات التركية بالقيادة الجديدة في سوريا ليست وليدة اليوم بل ترجع إلى عدة سنوات.
ذكر الرئيس السوري الجديد أحمد الشرع في 22 ديسمبر 2024 خلال مؤتمر صحفي مشترك مع وزير الخارجية التركي في القصر الرئاسي بدمشق: “كانت تركيا صديقة لسوريا ودعمتها منذ بداية الثورة – سوريا لن تنسى هذا”.
وعلى الرغم من أن تركيا تصنف رسميًا “هيئة تحرير الشام” والقاعدة كمنظمتين إرهابيتين، تماشيًا مع السياسة الأمريكية، ولم تقم يومًا بعلاقات دبلوماسية أو اقتصادية رسمية معهما، إلا أنه يُعتقد وعلى نطاق واسع أنها قدّمت درجات متفاوتة من الدعم للفصائل المتمردة السورية منذ بداية الحرب الأهلية في 2011.
تأكيد إسرائيلي على وجود دعم تركي لفصائل سورية.
وفي هذا السياق، قالت ليندِنشتراوس: “دعمت تركيا طيفًا واسعًا من الجماعات المتمردة السورية بعد فترة قصيرة من اندلاع الحرب الأهلية، بعد أن فقدت الأمل في إصلاح النظام السوري. كل من قاتل ضد الأسد تلقى شكلًا من أشكال الدعم التركي، لوجستيًا، طبيًا، وفي بعض الحالات عسكريًا”.
وأضافت الباحثة الإسرائيلية غاليا ليندِنشتراوس أن “جبهة النصرة لم تكن المستفيد الرئيسي، كان لدى تركيا علاقات أوثق مع فصائل أخرى”، مشيرة إلى أن هذا الدعم كان منسقًا بالأساس عبر الاستخبارات التركية، التي كان يقودها آنذاك فيدان ، وزير الخارجية الحالي.
وتابعت ليندِنشتراوس: “في اجتماع فيدان مع الرئيس السوري أحمد الشرع في ديسمبر الماضي، كان من الواضح أن هؤلاء الأشخاص يعرفون بعضهم البعض منذ سنوات”.
الدعم التركي من الخفي إلى العلني
و بعد الانقلاب السريع الذي أطاح بنظام الأسد أصبح دعم تركيا علنيًا، إذ كانت تركيا ثاني دولة يزورها الشرع في منصبه الجديد، بعد زيارة إلى السعودية.
وبحسب دراسة أجراها “معهد واشنطن بوست”، قادت تركيا الجهود الدبلوماسية في الأشهر الأولى من الحكومة الجديدة في سوريا، وعقدت 93 اجتماعًا شملت لقاءات رسمية وتجارية وإنسانية، وتأتي السعودية في الدرجة الثانية بالنشاط الدبلوماسي، مع 34 اجتماعًا فقط.
ولم تخفي تركيا نواياها في سوريا الواضحة منذ اندلاع الحرب الأهلية: ضمان وجود نظام مستقر وودود على حدودها الشرقية، يمكن حتى أن يدعم مصالح أنقرة الأمنية.
وفي هذا السياق قالت ليندِنشتراوس: “لتركيا طموحات واسعة في سوريا. فهي تريد منع الإرهاب الجهادي والكردي القادم من الأراضي السورية. بل وتتصور سوريا كموقع استراتيجي متقدم. على الصعيد الاقتصادي، لا تريد تركيا تحمّل تكلفة إعادة إعمار سوريا، لكنها تريد أن تتولى الشركات التركية إعادة البناء وجني الفوائد. وهناك أيضًا مسألة اللاجئين: فقد استضافت تركيا ملايين اللاجئين خلال الحرب، وهي مسألة أصبحت محورية في السياسة الداخلية التركية. وسوريا مستقرة ضرورية لخطة أنقرة بإعادتهم”، بحسب زعمها.
سوريا تبحث عن الدعم بعد السقوط
وبعد أكثر من عقد من الحرب المدمرة، تخرج سوريا ويجد زعيمها الجديد نفسه يحكم بلدًا مرهقًا اقتصاديًا واجتماعيًا، وقد صعد الشرع إلى السلطة بسرعة بعد سقوط الأسد، لكنه يقود الآن دولة تتوق إلى الدعم الخارجي للحفاظ على الاستقرار وإعادة الإعمار.
وإحدى الخطوات التي قام بها الشرع هي قراره العلني بإنهاء المصدر الرئيسي للدخل في عهد الأسد ،إنتاج وتصدير مخدر الكبتاغون، لأسباب دينية وأخلاقية، كون الإسلام يحرّم المخدرات.
ووفقًا لدراسة نُشرت عام 2023 من قبل “مرصد الشبكات السياسية والاقتصادية”، وهو معهد أبحاث كندي يديره سوريون في المنفى، فإن تجارة الكبتاغون كانت تدر ما يصل إلى 10 مليارات دولار سنويًا للنظام السابق في السنوات الأخيرة.
ومع فقدان هذا المصدر، يبحث الشرع عن ممولين وحلفاء استراتيجيين للحفاظ على الاقتصاد وعلى السيطرة العسكرية، خاصة في ظل المشهد الطائفي المعقد في سوريا، وحقيقة أن وصوله إلى الحكم لم يتم عبر انتخابات ديمقراطية.
تدخل تركي يقابله قلق إسرائيلي
لم تخفي إسرائيل قلقها من التدخل العسكري التركي المتزايد ، فبعد أسبوع فقط من الإطاحة بالأسد، أعلن وزير الدفاع التركي في 15 ديسمبر أن أنقرة مستعدة لتقديم مساعدات عسكرية للحكومة السورية الجديدة إذا طُلب منها ذلك.
ومن جانبه قال الرئيس السوري أحمد الشرع ،خلال زيارة إلى تركيا في 4 فبراير: “تشترك سوريا وتركيا في تاريخ طويل. اليوم نعلن أن هذه الروابط أصبحت شراكة استراتيجية في جميع المجالات”، وفي نفس اليوم، أفادت مصادر صحفية غربية أن الشراكة ستشمل تحالفًا دفاعيًا، وتدريبًا تركيًا للجيش السوري الجديد، وحتى قواعد جوية تركية على الأراضي السورية.
ورغم هذه التطورات، لم تُرصد بعد أدلة مرئية على وجود قوات تركية في سوريا، خلافًا للوجود الروسي في عهد الأسد، والذي لا يزال قائمًا، وإن بحجم أقل، في قاعدة حميميم الجوية.
وأشارت ليندِنشتراوس إلى أن تفاصيل الاتفاق بين تركيا وسوريا لم تُنشر بعد، إذ قالت: “مجرد الحديث عن اتفاق أمني بين سوريا وتركيا، دون نشر بنوده رسميًا، يدل على حساسية الأمر بالنسبة للطرفين”.
تحالف على حافة الهاوية
التحالف السوري – التركي يتطلب توازنًا داخليًا دقيقًا، تكمن نقطة الخلاف الكبرى في شرق سوريا، حيث سيطرت قوات سوريا الديمقراطية التي يقودها الأكراد على نحو 40% من أراضي البلاد في السنوات الأخيرة، وفي 10 مارس، وقّع الشرع اتفاقًا بارزًا مع قيادة القوات الكردية لدمج إدارتهم الذاتية في هيكل الحكومة الجديدة والجيش.
وتمثل هذه الخطوة تحولًا كبيرًا، لكنها ستثير على الأرجح توترات مع تركيا التي تعارض بشدة أي شكل من أشكال الحكم الذاتي للأكراد في سوريا خشية أن يشجع ذلك الأكراد في تركيا على التمرد الداخلي.
وفي هذا الصدد، قالت ليندِنشتراوس: “تركيا تريد ‘أكرادًا جيدين، أولئك المستعدين للتعاون، لكن لدى قوات سوريا الديمقراطية روابط مع التمرد الكردي في تركيا، الذي طالما دعا إلى استقلال الأقلية الكردية في تركيا، وهذا يجعل الترتيب إشكاليًا بالنسبة لأنقرة”.
وأضافت الباحثة الإسرائيلية: “حتى بعد توقيع الاتفاق، لا يزال من غير الواضح ما إذا كانت سيتم تفكيك قوات سوريا الديمقراطية أم أنها ستواصل العمل بمستوى من الحكم الذاتي، فهي ميليشيا كبيرة ومسلحة جيدًا وتسيطر على أراضٍ واسعة، لا يبدو أن لديهم سببًا للتخلي عن ذلك طوعًا”.
الخوف من الإسلام السياسي
وبالإضافة إلى المسألة الكردية، أثار تقارب سوريا مع تركيا قلقًا لدى أقليات أخرى، ويخشى البعض عودة صعود الإسلام السياسي في البلاد، والذي يهيمن حاليًا في تركيا، واحتمال اضطهاد الجماعات غير السنية.
وقال مواطن علوي في سوريا لمصدر صحفي إسرائيلي: “هذه العلاقة مع تركيا ليست جيدة،إذا بقيت سوريا تحت النفوذ التركي، فسيؤدي ذلك إلى انتشار الإسلام السياسي”.
وأضاف: “أعتقد أن لدى أردوغان رؤية لإحياء الإمبراطورية العثمانية والسيطرة على الشرق الأوسط”، متابعاً: “علاقة أوثق مع السعودية، القوة العربية السنية الأكثر اعتدالًا، ستكون مسارًا أفضل لسوريا”.




