بدأت تلوح بعض المؤشرات الأوروبية تنتقد خضوعهم المستمر لأمريكا، وتعلو تدريجيا أصوات تقول إن هذه التبعية صارت من أكبر أسباب الأزمات الكبرى التي تعصف بهم حاليا! ويذكرون بعض التبعات لهذا من السنوات القليلة الماضية: فقد التزموا بسياسة بايدن فى حرب أوكرانيا، بدعمها بكل قوة، مع التصدي لروسيا ومقاطعتها حتى فى شراء الغاز الذى هم فى أشد الحاجة إليه، مع مزاياه لهم باقتراب مصادره منهم، وبانخفاض أسعاره.
ولكن إذا بترامب يأتي بعد بايدن برؤية وسياسة أمريكية على النقيض، فيُذعنون أيضاً لقراراته المضادة بانسحاب أمريكا من الحرب ومن تمويلها، وبأن يفرض عليهم أن يتحملوا تكاليفها، وأن يُسَدِّدوا ثمن الأسلحة الأمريكية التي تطلبها أوكرانيا!! ثم إذا بترامب يُقدِم على الخطوة الخطيرة الصادمة بإعلان رغبته فى الاستيلاء على جزيرة جرينلاند التابعة للدنمارك، التي هي عضو مؤسس منذ 1949 بحلف الناتو الذى تشكل، أصلاً، لمواجهة تهديدات الاتحاد السوفيتي، ولم تُراجَع شعاراتُه الأساسية بعد انهيار السوفيت، بل استمر العداء لروسيا برغم تخليها عن الأيديولوجية الشيوعية، إلا أن الناتو استمر على اعتبار الروس أعداء بمنطق أنهم يطمعون فى الاستيلاء على أراضٍ أوروبية ضمن حدود حلف الناتو! أما الآن، فالتهديد يجيء صادما من أمريكا لا من روسيا!!
وفى آخر التطورات، قرر ترامب زيادة التعريفة الجمركية 10 بالمائة، بدءا من فبراير المقبل، على 8 دول أوروبية تعارض استيلاءه على جرينلاند، وهدَّد برفعها إلى 25 بالمائة مع يونيو المقبل.
هذا يدفع بعض المنتقدين الأوروبيين إلى المطالَبة بإجراء مراجعات لاختياراتهم الاستراتيجية القديمة التي صارت من الثوابت منذ الحرب العالمية الثانية وما بعدها، عن أن أمريكا هي حليفتهم الأولى ضد الخطر الشرقي، وعن عدائهم المستمر للشرق الذى كان ضد السوفييت ثم صار ضد روسيا حتى بعد أن غيرت أيديولوجيتها، لأن أمريكا قررت هذا، والتزم الأوروبيون، أو ربما أنهم أذعنوا لاختيارات أمريكا. كما أن النقد موجه للأوروبيين الذين يعاندون الآن الإقرار بالخطر الأمريكي، على أراضيهم وعلى حلفهم، وهو الخطر الذى كانت نظم حكمهم تتخوفه من السوفيتي سابقاً، ولاتزال تتهم به روسيا حالياً!
المصدر: الأهرام
تنويه: المقالات المنشورة في تبويب “نبضاتهم” تمثل رأي كتّابها فقط وليس بالضرورة رأي موقع “نبض الشام




