قبل بدء زيارة ولي العهد السعودي إلى واشنطن، قامت كبريات الصحف العالمية بتغطيات متخصصة تناقش أثر الزيارة والقضايا التي سيتم تناولها والصفقات المزمع التوقيع عليها. وكان ملف التطبيع مع إسرائيل هو أبرز هذه القضايا التي جرى الحديث عنها بشكل غير مسبوق في منصات التواصل الاجتماعي والإعلام وغيرها. وفي الحقيقة، هذا الأمر غير مستغرب، نظراً لثقل نفوذ السعودية وقوة ولي العهد السعودي على الساحة الدولية.
وخلال العامين الماضيين، أعادت المملكة العربية السعودية التأكيد على موقفها الثابت من أية ترتيبات إقليمية تتعلق بإسرائيل، مؤكدة بشكل قاطع على أن إقامة دولة فلسطينية مستقلة ذات سيادة هي الشرط الأساسي قبل الحديث عن أي تطبيع كامل أو تعاون سياسي أمني مع إسرائيل. وليس جديداً هذا الموقف الذي أُعلن في الأمم المتحدة وفي المحادثات الدبلوماسية مع واشنطن، وهو يعكس رؤية سعودية واضحة تعتبر حل القضية الفلسطينية أساساً للاستقرار الإقليمي الشامل.
وفي الوقت الذي تسعى فيه الولايات المتحدة لإتمام صفقة أمنية وسياسية واسعة بين الرياض وتل أبيب، تمسكت المملكة بشرط الاعتراف بالدولة الفلسطينية، حتى لو أدى ذلك إلى تأجيل صفقات عسكرية كبيرة كان يمكن أن تمنحها تعزيزات نوعية حاسمة.
وفي رأيي، يُعد هذا الموقف ثميناً جداً ومقدراً على كافة الأصعدة، إذ يضع السعودية في خانة مختلفة عن بعض القوى الإقليمية التي تتعامل مع الملف الفلسطيني كأداة نفوذ أو ورقة مساومة.
وإجمالاً، التزام السعودية الفعلي بالقضية هو أمر مقدس نظراً لرمزية السعودية كبلاد الحرمين الشريفين وقبلة المسلمين، وبالتالي لا تستطيع أن تتخلى عن الحق الفلسطيني مهما عظمت التضحيات.
وتاريخياً، قدمت المملكة العربية السعودية مساعدات تنموية وإنسانية هائلة لفلسطين على مدار عقود، حيث بلغ إجمالي المساعدات من صندوق التنمية السعودي فقط نحو 4.812 مليار دولار حتى عام 2024.
وفي السنوات الأخيرة، شهدت التبرعات زيادة ملحوظة، ومنذ اندلاع النزاع في أكتوبر 2023، تبرعت السعودية بـ185 مليون دولار مباشرة في مساعدات إنسانية لفلسطين، بالإضافة إلى 90 مليون دولار في سبتمبر 2025 لتعزيز السلطة الفلسطينية، و30 مليون دولار إضافية في يونيو 2025 لتخفيف الأزمة المالية. كما جمعت حملة الإغاثة الشعبية السعودية أكثر من 714 مليون ريال سعودي (حوالي 190 مليون دولار) بحلول أبريل 2025، مما يعكس التضامن الشعبي والحكومي مع الشعب الفلسطيني.
لكن لماذا السعودية تصر على حل القضية الفلسطينية؟
ترى السعودية أن استمرار الاحتلال وتعثر مسار الدولة الفلسطينية أكبر من مجرد أزمة سياسية، إذ بات أهم محرّكات التطرف في المنطقة خلال العقود الماضية. فالصراع المزمن أنتج مسارات سلبية متراكمة، أبرزها خلق بيئة حاضنة للتنظيمات المتطرفة. على سبيل المثال، منذ اندلاع الانتفاضة الثانية في عام 2000 وحتى 2025، سجلت المنطقة أكثر من 1,500 هجوم إرهابي مرتبط بالقضية الفلسطينية، بما في ذلك هجمات انتحارية، مما أسفر عن آلاف الضحايا وأثار موجة من عدم الاستقرار في الشرق الأوسط. وكل دورة عنف في غزة أو الضفة الغربية تتحول إلى مادة دعائية تستغلها جماعات إرهابية مثل داعش والقاعدة لجذب الأتباع وتبرير أعمالها، حيث أشارت تقارير الاتحاد الأوروبي إلى زيادة بنسبة 30% في التهديدات الإرهابية المرتبطة بالصراع بعد أكتوبر 2023.
وبذلك، تعتقد السعودية أنه دون حل سياسي واضح لهذه القضية، تتحول المأساة الفلسطينية إلى ذريعة جاهزة لتبرير العنف في المنطقة تحت شعار “المقاومة”، بينما تُدفع الشعوب إلى دائرة الفوضى ضد حكوماتها.
كما أنه بسبب هذه القضية برزت أنظمة ومنظمات متطرفة قائمة على شعار حماية فلسطين، حيث بنت غالبية الحركات الأيديولوجية في الشرق الأوسط مثل النظام الإيراني، وحركة الإخوان المسلمين والميليشيات الشيعية في لبنان والعراق واليمن شرعيتها وبقاءها على “تحرير فلسطين”، لكنها في الواقع أغلقت مجتمعاتها، وقمعت شعوبها، واستثمرت في استمرار الصراع بدلاً من حله، مما وسّع نفوذها عبر استغلال هذه القضية.
بمعنى آخر، هناك أطراف عديدة استفادت في المنطقة من أنظمة ومنظمات من بقاء الصراع بلا حل، سواء عبر بناء نفوذ سياسي أو شرعية شعبية أو تحريك ساحات اقتتال تخدم مصالحها الإقليمية. وبذلك، أصبح الصراع مأساة إنسانية، ومصدراً للثراء السياسي لهذه التنظيمات، ووسيلة لإعادة إنتاج شرعيتها.
ومع تسجيل أكثر من 50 ألف حالة إرهابية في الشرق الأوسط منذ 1979 مرتبطة جزئياً بالقضية الفلسطينية، تتعامل السعودية مع الصراع بصفته المولّد الأكبر لعدم الاستقرار. وبدون حل واضح، سوف يستمر التطرف، وتتوسع الجماعات المسلحة التي تجاوز عددها عشرات الجماعات النشطة في المنطقة بحسب تقارير الأمم المتحدة، وستزداد التدخلات الخارجية، وستظل المنطقة عاجزة عن الانتقال إلى مرحلة الاستقرار والتنمية المنشودة. لذلك، قيام الدولة الفلسطينية هو نقطة الحسم التي تنقل المنطقة من دائرة إدارة الصراع إلى إنهائه، كما تؤكد تقارير دولية وبحثية متعددة أن هذا الحل هو المفتاح الأبرز لتجفيف منابع التطرف والإرهاب.
والحال أن السعودية ترى أن الاستقرار الحقيقي يبدأ بإنهاء الاحتلال، وبناء دولة فلسطينية تعيد المنطقة إلى مسار طبيعي بعيد عن التطرف والفوضى. وإذا كانت إسرائيل جادة في محاربة الكراهية والتطرف في المنطقة كما تزعم، فإن دعم الحق الفلسطيني عبر مسار سياسي جديد يوقف إنتاج التطرف من جذوره ويفتح آفاقاً جديدة للاستقرار والعيش المشترك في الشرق الأوسط.
المصدر: العربية
تنويه: المقالات المنشورة في تبويب “نبضاتهم” تمثل رأي كتّابها فقط وليس بالضرورة رأي موقع “نبض الشام”




