التنسيق الروسي–التركي في الملف السوري بات ضرورة جيوسياسية
الدكتورة سماهر الخطيب

خاص – نبض الشام
أعربت وزارة الخارجية الروسية عن بالغ قلقها إزاء الغارات الجوية الإسرائيلية الأخيرة التي استهدفت منشآت عسكرية في العاصمة دمشق ومحافظة السويداء، مؤكدةً أن هذه الضربات تُعدّ انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي ولسيادة الجمهورية العربية السورية.
وفي بيان رسمي، وصفت الوزارة الهجمات بـ”العدوان السافر”، محذرة من أن استمرار مثل هذه العمليات يقوّض الجهود الإقليمية والدولية المبذولة لإعادة الاستقرار إلى سوريا، ويزيد من تعقيد الوضع الأمني في الشرق الأوسط.
وأكدت موسكو مجدداً موقفها الداعم لوحدة الأراضي السورية، ورفضها القاطع لأي محاولات لفرض حلول عسكرية أو خلق وقائع جديدة بالقوة.
وشددت على أن الطريق الوحيد للحل في سوريا يجب أن يمر عبر حوار سياسي شامل تشارك فيه جميع المكونات الوطنية، بما ينسجم مع القرار 2254 الصادر عن مجلس الأمن الدولي.
وختمت الخارجية الروسية بيانها بالدعوة إلى ضبط النفس ووقف التصعيد، معتبرةً أن الحفاظ على استقرار سوريا يصب في مصلحة الأمن الإقليمي والدولي على حد سواء.
وبدورها، أصدرت وزارة الخارجية التركية بياناً عقب المكالمة الهاتفية بين الرئيس رجب طيب أردوغان والرئيس الروسي فلاديمير بوتين، أعربت فيه عن قلق أنقرة من تصاعد وتيرة العنف في سوريا، وتحديداً في الجنوب السوري، في ظل استمرار الغارات الإسرائيلية على الأراضي السورية.
وأشار البيان إلى أن الرئيس أردوغان شدد خلال الاتصال على أهمية تجنب مزيد من التصعيد، وضرورة الحفاظ على وحدة الأراضي السورية واستقرارها، مؤكداً استعداد تركيا للقيام بدور فعّال في تهدئة الوضع، سواء من خلال التنسيق الثنائي مع روسيا أو عبر المنصات الدولية.
كما أكدت تركيا دعمها لأي جهود دبلوماسية تهدف إلى دفع العملية السياسية في سوريا، مع التشديد على أهمية التمثيل العادل لجميع المكونات العرقية والدينية في مستقبل البلاد. وشدد البيان على أهمية مواصلة محادثات أستانا ومسار اللجنة الدستورية.
وفي سياق متصل، جدّدت أنقرة استعدادها لاستضافة جولة جديدة من المفاوضات بين روسيا وأوكرانيا على أراضيها، في حال أبدى الطرفان استعداداً لذلك، معتبرة أن الحوار هو السبيل الأمثل لنزع فتيل التوترات.
قراءة وتحليل – الخبيرة الاستراتيجية د. سماهر الخطيب
تقول الدكتورة سماهر الخطيب، الخبيرة في العلاقات الدولية، إن التنسيق الروسي–التركي في الملف السوري لم يعد مجرد تنسيق عسكري محدود، بل بات ضرورة جيوسياسية ملحة في ظل انسحاب تدريجي للفاعلين الغربيين من المشهد السوري.
وتوضح أن توقيت الاتصال بين أردوغان وبوتين لم يكن عابراً، بل جاء في أعقاب هجوم إسرائيلي واسع استهدف منشآت عسكرية سورية، ووسط تصعيد واضح في الجنوب السوري، وهو ما ينبئ بمرحلة جديدة من التوتر الإقليمي قد تعيد خلط الأوراق.
وترى الخطيب أن بيان الخارجية الروسية تميز بلهجة صارمة، في مقابل صمت شبه كامل من القوى الغربية، ما يعكس خللاً في موازين الردع، كان يتم احتواؤه في السابق بوجود كثيف للجيش الروسي على الأرض.
وتضيف: “اللافت في هذا المشهد هو محاولة تل أبيب تسويق الضربات على أنها لحماية الأقليات، وهو خطاب استخدمته قوى دولية سابقاً لتبرير تدخلها العسكري، مما يعزز فرضية وجود نية مبيّتة لإعادة تدوير مشروع التقسيم أو استنزاف دمشق في حروب جانبية”.
أما بشأن تركيا، فتؤكد الخطيب أن أنقرة تحاول التوفيق بين مصالحها الأمنية من جهة، ودورها الوسيط في الملفات الإقليمية من جهة أخرى، لكنها في النهاية تعي أن التصعيد في سوريا قد ينعكس مباشرة على أمنها الحدودي وعلى ملف اللاجئين.
وفي الختام، تحذر الخبيرة الاستراتيجية الدكتورة سماهر الخطيب من تجاهل البعد الطائفي الذي بدأت تظهر ملامحه مجدداً، مشيرةً إلى أن الحل لا يمكن أن يكون إلا عبر منظومة حوار وطني شامل برعاية دولية تضمن وحدة البلاد وتوزيعاً عادلاً للسلطة والموارد.




